خَضْرَاءُ الدِّمَنِ: أَدَبُ الْمُنَادَمَةِ عَلَى مَسَائِلِ الْفَنِّ وَالْعِلْمِ
تمهيد في فلسفة المُنادَمَة والمَجْلِسِيَّة
على رغم جَذْبة القَدَامة لي أنا وتلامذتي إلى ما كان، وجَذْبة الحَدَاثة إلى ما يكون، وجَذْبة المُستقبليّة إلى ما سيكون- سلكنا بالمُنادمة (المَجْلِسِيَّة)، مسلكًا من محبة الاستطراد وقبول التخطيء ومغفرة الشَّطَط، لا يسلكه إلا المتآخون المتحابون، وتَعَهَّدْنا بالتوفيق لمن نادَمنا على ذلك.
فأما من حضرنا جسدُه إنكارًا واستثقالًا وغاب عنا روحُه، فقد أخفق إخفاقَيْنِ مُبِينَيْن:
- الأول: أنْ لم ينتفع بنا.
- الآخر: أنْ لم يَتحوَّل عنا إلى غيرنا!
هذا ما أردتُه بهذا النشيد الذي وضعتُه قديمًا لتلامذتي العُمانيين في مثل هذا المقام، لنردده معًا أولَ كل محاضرة، ثم شملتُ به غيرهم.
النشيد:
عَلَى الرِّيَاحِ الْعَتِيَّةْ بِوَطْأَةِ الْمُرْجَعِيَّةْ وَخَطْفَةِ الْمُحْدَثِيَّةْ وَشَهْوَةِ النَّرْجِسِيَّةْ نَجَوْتُ بِالْمَجْلِسِيَّةْ
فِيهَا الشُّجُونُ رَضِيَّةْ فِيهَا الْعُيُوبُ هَدِيَّةْ فِيهَا الْجُرُوحُ هَنِيَّةْ شَأْنُ الْقُلُوبِ الصَّفِيَّةْ
فَإِنْ خَلَصْتَ إِلَيَّهْ تُؤَمِّلُ الْحَقَّ فِيَّهْ يَدَاكَ ضِمْنَ يَدَيَّهْ غَنِمْتَهَا عَبْقَرِيَّةْ
وَإِنْ نَعَيْتَ عَلَيَّهْ مَنَازِعِي الْمُفْرَدِيَّةْ وَنِحْلَتِي الْمِذْوَدِيَّةْ خَسِرْتَهَا مَنْهَجِيَّةْ
1. الْمُنَادَمَةُ الْأُولَى: التعارف ومنهج تدريس العروض
الافتتاح والتعارف
- سلام عليكم! وعليكم السلام!
- طبتم مساء -يا أبنائي!- وطاب مسعاكم إلينا! بسم الله -سبحانه، وتعالى!- وبحمده، وصلاة على رسوله وسلامًا، ورضوانًا على صحابته وتابعيهم حتى نلقاهم! كيف حالكم؟ كيف أمسيتم؟ الحمد لله! لله الحمد والشكر! بارك الله فيكم، وشكر لكم، وأحسن إليكم، ويسر لنا ولكم كل عسير، وسهل كل صعب!
- أنا محمد جمال صقر أستاذ النحو والصرف والعروض بكلية دار العلوم، من جامعة القاهرة، الأستاذ المشارك بقسم اللغة العربية وآدابها، من كليتنا هذه الحبيبة (كلية الآداب والعلوم الاجتماعية)، بجامعتنا هذه الغراء (جامعة السلطان قابوس)، أتشرف بأن أدرس لكم علم العروض.
(تلا ذلك تعارف الطلاب بذكر الاسم واللقب والمنطقة، مع تعليقات الأستاذ على بعضهم، والإشارة إلى أن “التلمذة الحكمية” تشمل من يواصله بوسائل التواصل).
إشكالية المقرر وملف المحاضرات
أتشرف كما قلت لكم بتدريس علم العروض، لن أقول كما كنا نقول دائمًا: “بتدريس المقرر عليكم من علم العروض”، لأنكم لن تدرسوا علم العروض إلا بهذا المقرر في هذا الفصل! قليل؟ قليل، لكن ماذا نفعل؟ لا حيلة. هذا عمل أشبه بعمل السحرة، يعرفه أهل بهلاء… هذا أشبه بما يسمونه في المثل المصري “الفيل في المنديل” -جَلَا جَلَا!- بعمل السحرة، أي أن تخرج الفيل من المنديل!
لكن ما لا يُدرك كله يُدرك بعضه، ولاسيما إذا كان بعضه هذا نائبًا عنه، أو إذا كان خلاصتـه، روحه، أهم ما فيه، وهو ما سنجتهد فيه، إن شاء الله! لكن عليكم أن تكملوا وأن تتوسعوا إذا أعجبكم الأمر، وسيعجبكم، إن شاء الله!
ملف المحاضرات: ينبغي أن يكون بين يدي كل واحد منكم، أرسلته إليكم ملحقًا برسالة شرحت لكم فيها كيف تُصوِّرونه، فهل فعلتم؟ (مناقشة أهمية طبع الملف كاملاً لإضافة زيادات المعلومات).
المراجع المتاحة:
- كتاب “العروض المُغنّى” (للدكتور هلال الحجري)، وهو “صاحبٌ مؤنس” وليس مرجعًا على الحقيقة، لكن نستفيد منه ولا نلغيه من مرجعية المقرر.
- تم رفع ما يسد الخلل على موقعي: “ميزان الذهب” للهاشمي، و**”كن شاعرًا”** لعمر خَلُّوف. (مناشدة الطلاب بالاستفادة من النعمة التكنولوجية).
اسم الملف: ما الذي في هذا الملف الذي سميته باقتراحكم “عَلِّمْنِي عَرُوضَ الشِّعْرِ”؟ اسمه قريب، نعم، لكنه يكفيه فخرًا أنه من تسمية طلاب العلم!
الهدف المنشود: البطاقة العروضية للشعر
لا نطمح في هذا المقرر إلى أكثر من أن نستطيع كلما سُئلنا تخريجَ شيء من الشعر تخريجًا عروضيًا، أن نقدم فيه مثل هذا الذي أثبتُّه لكم في أول الملف:
على طريقة قول الشاعر: “رَأَى الْأَمْرَ يُفْضِي إِلَى آخِرٍ فَصَيَّرَ آخِرَهُ أَوَّلَا”! أو كما نقول في اللهجة: هات من الآخر! جئت لكم بالأمر من آخره.
نريد أن نقدم للشعر بطاقة كالبطاقة الشخصية:
- الصورة (جزء التقطيع والرموز): فيه تقطيع للبيتين على أجزاء، ثم إضافة رموز من الدال والنون، ثم إضافة رموز من الفاء والعين والواو واللام والنون والميم والياء، ثم إضافة أوصاف عجيبة!
- البيانات (جزء التوصيف): بيانات أخرى ليست في الصورة، كاسم صاحبها وبلده وكذا وكذا.
ملحوظة مهمة:
- هذه البطاقة تحتاج إلى أكثر من بيت، لأن البيت الواحد قد يكون خادعًا.
- اللغة المنطوقة لا المكتوبة: “بل أدعي أن طريقتنا في التدريس -إن شاء الله!- ستوصلك إلى تخريجه شفويًا من دون حاجة إلى كتابة، وهذا هو الأصل؛ فلغتنا -واللغة على وجه العموم- صوتية لا كتابية، وما الكتابة إلا تسجيل.”
شاعر مغمور وقصيدة خالدة
في هذه البطاقة صورة وبيانات، الصورة تعبير عن الشعر بطريقة عجيبة ينبغي أن تُفصّل: فيها تقطيع للبيتين…
الآلة الحادة: اعلموا أنني أستعمل في تخريج الوزن آلة حادة، آلة حادة هي هذه العصا: (اسمها ليلى). أوقِّع بها هكذا: أَبِيتُ= دَدَنْ دَ. عصاي هذه مثل عصا قائد الأُرْكِسْتَر، أوقّع بها حتى أجرِّد لكم الوزن فتعرفوا أن الأمر أمر وزن لا شيء آخر، أمر موسيقى.
سويد بن كُراعَ العكلي: لقد اخترت لكم في هذه البطاقة بيتين من شعر شاعر مغمور، هو سويد بن كُراعَ العكلي… ولكنه في هذا الموقف أشعر من جرير ومن الفرزدق؛ هو في هذا الموقف يتكلم عن الشعر كيف يحس به، وكيف يعالجه حتى يقوله. (استحق أن يُقدّر، ولم يضِرْه أنه مغمور -فرب مغمور أفضل من مشهور!-) والنقاد النقاد هم المشتغلون بالمغامير لا المشاهير…
الأبيات: “أَبِيتُ بِأَبْوَابِ الْقَوَافِي كَأَنَّمَا أُصَادِي بِهَا سِرْبًا مِنَ الْوَحْشِ نُزَّعَا أُكَالِئُهَا حَتَّى أُعَرِّسَ بَعْدَمَا يَكُونُ سُحَيْرًا أَوْ بُعَيْدَ فَأَهْجَعَا”
تفسير الأبيات: انظروا كيف جعل الشعر كأنه في مكان له مدخل، كأنه مكان فسيح بين جبال… وجعل القوافي هي الأبواب… “أُصَادِي” أي أخادع وأخاتل بها “سِرْبًا مِنَ الْوَحْشِ نُزَّعَا” أي حيوان غير مستأنس نُقل من مكانه فهو أشد فزعًا… “أُكَالِئُهَا” أي أتابعها بعيني… “أُعَرِّسَ” نزول المسافر من آخر الليل عن دابته حتى يرتاح… “سُحَيْرًا” تصغير سَحَر، وقت ما قبل الفجر.
خطوات التخريج العروضي الأربعة
ولأمر ما قال أبو الحسن سعيد بن مسعدة الأخفش الأوسط: “يَنْبَغِي لِطَالِبِ عِلْمِ الْعَرُوضِ أَنْ يَكُونَ شَدَا شَيْئًا مِنْ عُلُومِ الْعَرَبِيَّةِ”… هذا علم العلوم -يا أبنائي!- هذا علم العلوم؛ ولهذا سميته لكم في رسالتي إليكم “مقرر المقررات”…
يتخرج الوزن في علم العروض إذن -يا جماعة!- بأربع خطوات:
- التقطيع: نفصِل بين الأجزاء فصلاً واضحًا مرئيًا ملموسًا، بالبياض أو الخطوط.
- التوقيع: نكتب صوت العصا بالدال للمتحرك والنون للساكن (الدال للنَّطْقة والنون للسَّكْتة).
- سبب استعمال الدال والنون (دَنْ): لأنه مأخوذ في العربية من “دَنَّ”، أي نَغَمَ بكلام غير مفهوم، ومنه “دَنْدَنَ” (حولها ندندن).
- التفعيل: نكتب رموز سيدنا الخليل التي وضعها لتسمية هذه الأجزاء (“فَعُولُ”، “مَفَاعِيلُنْ”…).
- التوصيف: نكتب الأوصاف التي وَصَفَ بها التفعيلات (سالمة، مقبوضة، مغيرة، إلخ).
تخريج القافية: نُثقِّل جزء القافية من آخر البيت (آخر ساكنين مع ما بينهما من متحركات ومع المتحرك الذي قبلهما).
- قافية هذه القصيدة عينية: ننسبها مباشرة إلى أقوى أصواتها المكررة (العين المفتوحة).
- طويلية الأبيات، الوافية، المقبوضة العروض والضرب، عينية القوافي المفتوحة المجردة الموصولة بالألف.
4. المبدأ العقدي لعلم العروض وقيمته
يا جماعة، لكل قوم مبدأ يتمسكون به وينطلقون منه ويترسخ في قلوبهم ترسخ العقائد، ولنا في علم العروض مبدأ كذلك نحب أن يترسخ في قلوبكم ترسخ العقيدة، وتحفظوه مثلما تحفظون أسماءكم!
المبدأ الأربعة:
“إِذَا كَانَتِ الثَّقَافَةُ جَذْرَ الْحَضَارَةِ الرَّاسِخَ، وَاللُّغَةُ قَلْبَ الثَّقَافَةِ النَّابِضَ، فَالشِّعْرُ عَصَبُ اللُّغَةِ النَّافِرُ، وَالْعَرُوضُ دَمُ الشِّعْرِ الدَّافِقُ!”
الشجرة الحضارية: أشبه الحضارة دائمًا بالشجرة… جذرها المعنويات وهي الثقافة، وفرعها الماديات… أهم ما في الشجرة جذرها لا فرعها.
فمن فرّط في العروض؛ فقد فرّط في الشعر، ثم في اللغة، ثم في الثقافة، ثم في الحضارة، ثم في الحياة!
مفهوم العروبة: العربية اللسان -يا جماعة!- لا أن تكون من قحطان أو عدنان، بل أن تفكر بالعربية، وتتكلم بالعربية، وتقرأ بالعربية، وتكتب بالعربية.
نشأة العروض والغناء
ومثلما اجتمعنا على ذلك المبدأ عقيدةً نعتقدها، ونصًا نحفظه- نجتمع فيما بين الغناء والشعر على هذه الكلمة الموجزة الآتية:
“لولا الغناء لم يكن الشعر، ولولا المغني لم يكن الشاعر! لقد نشأت الموسيقى وعَرُوض الشعر نشأة واحدة؛ فكان المغني الأول إذا شغله أمر من الحزن أو الفرح دَنْدَنَ أصواتًا غُفْلًا من المعنى، يُلَحِّنُها من سِرِّ نفسه.”